فصل: تفسير الآية رقم (38)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏29 - 30‏]‏

‏{‏وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ‏(‏29‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط‏}‏ تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر زجراً لهما عنهما وحملا على ما بينهما من الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط وذلك هو الجود الممدوح فخير الأمور أوساطها وأخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما عال من اقتصد ‏"‏ وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ‏"‏ وفي رواية عن أنس مرفوعاً ‏"‏ التدبير نصف المعيشة والتودد نصف العقل والهم نصف الهرم وقلة العيال أحد اليسارين ‏"‏ وكان يقال حسن التدبير مع العفاف خير من الغنى مع الإسراف ‏{‏فَتَقْعُدَ مَلُومًا‏}‏ أي فتصير ملوماً عند الله تعالى وعند الناس ‏{‏مَّحْسُوراً‏}‏ نادماً مغموماً أو منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر أعياه وأوقفه حتى انقطع عن رفقته، قال الراغب‏:‏ يقال للمعي حاسر ومحصور أما الحاسر فتصور أنه قد حصر بنفسه قواه وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره وهذا بيان قبح الإسراف المفهوم من النهي الأخير، وبين في أثره لأن غائلة الإسراف في رخره وحيث كان قبح الشح المفهوم من النهي الأول مقارناً له معلوماً من أول الأمر روعي ذلك في التصور بأقبح الصور ولم يسلك فيه مسلك ما بعده كذا قيل، وفي أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه عنه ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم ما يقتضيه، وقال بعض المحققين‏:‏ الأولى‏:‏ أن يكون ذلك بياناً لقبح الأمرين ويعتبر التوزيع ‏{‏فَتَقْعُدَ‏}‏ منصوب في جواب النهيين والملوك راجع إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ‏}‏ كما قيل‏:‏

إن البخيل ملوم حيثما كانا *** والمحسور راجع إلى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَبْسُطْهَا‏}‏ وليس ببعيد‏.‏ وفي «الكشاف» عن جابر ‏"‏ بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ أتاه صبي فقال‏:‏ إن أمي تستكسيك درعاً فقال‏:‏ من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا فذهب إلى أمه فقالت‏:‏ قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظر فلم يخرج عليه الصلاة والسلام إلى الصلاة فنزلت ‏"‏ وأنت تعلم أنه يأبى هذا كون السورة مكية والآية ليست من المستثنيات ولعل الخبر لم يثبت فعن ولي الدين العراقي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث أي بهذا اللفظ وإلا فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن أمي تسألك كذا وكذا فقال‏:‏ ما عندنا اليوم شيء قال‏:‏ فتقول لك اكسني قميصك فخلع عليه الصلاة والسلام قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاصراً فنزلت، وأخرج ابن أبي حاتم عن المنهال ابن عمرو ونحوه وليس في شيء منهما حديث أذان بلال وما بعده، وقيل‏:‏ إنه عليه الصلاة والسلام أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن الفزاري فجاء عباس بن مرداس فأنشأ يقول‏:‏

أتجعل نهبي ونهب العبي *** د بين عيينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابس *** يفوقان مرداس في مجمع

وما كنت دون امرء منهما *** ومن يخفض اليوم لم يرفع

فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل وكانوا جميعاً من المؤلفة قلوبهم فنزلت، وفيه الآباء السابق كما لا يخفى، وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور‏.‏ وابن المنذر عن سيار أبي الحكم قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بز من العراق وكان معطاء كريماً فقسمه بين الناس فبلغ ذلك قوماً من العرب فقالوا‏:‏ نأتي النبي صلى الله عليه وسلم نسأله فوجدوه قد فرغ منه فأنزل الله تعالى الآية‏.‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ‏}‏ تعليل لقوله سبحانه ‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 28‏]‏ الخ كأنه قيل‏:‏ إن أعرضت عنهم لفقد الرزق فقل لهم قولاً ميسوراً ولا تهتم لذلك فإن ذلك ليس لهو إن منك عليه تعالى بل لأن بيده جل وعلا مقاليد الرزق وهو سبحانه يوسعه على بعض ويضيقه على بعض حسبما تتعلق به مشيئته التابعة للحكمة فما يعرض لك في بعض الأحيان من ضيق الحال الذي يحوجك إلى الإعراض ليس إلا لمصلحتك فيكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 29‏]‏ الخ معترضاً تأكيداً لمعنى ما تقتضيه حكمته عز وجل من القبض والبسط، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ سبحانه ‏{‏كَانَ‏}‏ لم يزل ولا يزال ‏{‏بِعِبَادِهِ‏}‏ جميعهم ‏{‏خَبِيراً‏}‏ عالماً بسرهم ‏{‏بَصِيراً‏}‏ عالماً بعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم تعليل لسابقه، وجوز أن يكون ذلك تعليلاً للأمر بالاقتصاد المستفاد من النهيين إما على معنى أن البسط والقبض أمران مختصان بالله تعالى وأما أنت فاقتصد واترك ما هو مختص به جل وعلا أو على معنى أنكم إذا تحققتم شأنه تعالى شأنه وأنه سبحانه ييبسط ويقبض وأمعنتم النظر في ذلك وجدتموه تعالى مقتصداً فاقتصدوا أنتم واستنوا بسنته، وجعله بعضهم تعليلاً لجميع ما مر وفيه خفاء كما لا يخفى، وجوز كونه تعليلاً للنهي الأخير على معنى أنه تعالى يبسط ويقبض حسب مشيئته فلا تبسطوا على من قدر عليه رزقه وليس بشيء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31 - 32‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ‏(‏31‏)‏ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ‏(‏32‏)‏‏}‏

وجوز أيضاً كونه تمهيداً لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق‏}‏ واستبعد بأن الظاهر حينئذ فلا‏.‏

والإملاق الفقر كما روى عن ابن عباس وأنشد له قول الشاعر‏:‏

وإني على الإملاق يا قوم ماجد *** أعد لأضيافي الشواء المصهبا

وظاهر اللفظ النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد ذكروا كانوا أو إناثاً مخافة الفقر والفارقة لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يئد البنات مخافة العجز عن النفقة عليهن فنهى في الآية عن ذلك فيكون المراد بالأولاد البنات وبالقتل الوأد، والخشية في الأصل خوف يشوبه تعظيم، قال الراغب‏:‏ وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه‏.‏

وقرى بكسر الخاء، والظاهر أن هذا النهي معطوف على ما تقدم من نظيره، وجوز الطبرسي أن يكون عطفه على قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ وحينئذ فيحتمل أن يكون الفعل منصوباً بأن كما في الفعل السابق‏.‏

‏{‏نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم‏}‏ ضمان لرزقهم وتعليل للنهي المذكور بإبطال موجبه في زعمهم أي نحن نرزقهم لا أنتم فلا تخافوا الفقر بناء على علمكم بعجزهم عن تحصيل رزفهم، وتقديم ضمير الأولاد على ضمير المخاطبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق، وعارض هذه النكتة هناك تقدم ما يستدعي الاعتناء بشأن المخاطبين من الآيات كذا قيل‏.‏ وجوز المولى شيء الإسلام كون ذلك لأن الباعث على القتل هناك الإملاك الناجز ولذلك قيل ‏{‏من إملاق‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏ وههنا الإملاق المتوقع ولذلك قيل‏:‏ خشية إملاق فكأنه قيل‏:‏ نرزقهم من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيعتريكم ما تخشونه وإياكم أيضاً رزقاً إلى رزقكم‏.‏

‏{‏إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا‏}‏ تعليل آخر ببيان أن المنهي عنه في نفسه منكر عظيم لما فيه من قطع التناسل وقطع النوع، والخطء كالإثم لفظاً ومعنى وفعلهما من باب علم‏.‏ وقرأ أبو جعفر‏.‏ وابن ذكوان عن عامر ‏{‏خطأ‏}‏ بفتح الخاء والطاء من غير مد، وخرج ذلك الزجاج على وجهين، الأول‏:‏ أن يكون اسم مصدر من أخطأ يخطىء إذا لم يصب أي إن قتلهم كان غير صواب، والثاني‏:‏ أن يكون لغة في الخطا بمعنى الإثم مثل مثل ومثل وحذر وحطر فمن استشكل هذه القراءة بأن الخطأ ما لم يتعمد وليس هذا محله فقد نادى على نفسه بقلة الإطلاع‏.‏

وقرأ ابن كثير ‏{‏خطأ‏}‏ بكسر الخاء وفتح الطاء والمد وخرج على وجهين أيضاً‏.‏ الأول‏:‏ أن يكون لغة في الخطء بمعنى الإثم مثل دبغ ودباغ ولبس ولباس‏.‏ والثاني‏:‏ أن يكون مصدر خاطأ يخاطىء خطاء مثل قاتل يقاتل قتالاً‏.‏

قال أبو علي الفارسي وإن كنا لم نجد خاطأ لكن وجد تخطأ مطاوعه فدلنا عليه وذلك في قولهم‏:‏ تخطأت النبل أحشاءه، وأنشد محمد بن السوي في وصف كماءة كما في مجمع البيان‏:‏

وأشعث قد ناولته أحرش الفرى *** أدرت عليه المدجنات الهواضب

تخطأه القناص حتى وجدته *** وخرطومه في منقع الماء راسب

والمعنى على هذا إن قتلهم كان عدولاً عن الحق والصواب فقول أبي حاتم إن هذه القراءة غلط غلط‏.‏

وقرأ الحسن ‏{‏خطاء‏}‏ بفتح الخاء والطاء مع المد وهو اسم مصدر أخطىء كالعطاء اسم مصدر أعطى، وقرأ الزهري‏.‏ وأبو رجاء ‏{‏خطا‏}‏ بكسر الخاء وفتح الطاء وألف في آخره مبدلة من الهمزة وليس من قصر الممدود لأنه ضرورة لا داعي إليه، وفي رواية عن ابن عامر أنه قرأ ‏{‏خطا‏}‏ كعصا‏.‏

‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى‏}‏ بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة فضلاً عن مباشرته، والنهي عن قربانه على خلاف ما سبق ولحق للمبالغة في النهي عن نفسه ولأن قربانه داع إلى مباشرته، وفسره الراغب بوطء المرأة من غير عقد شرعي، وجاء في المد والقصر وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة، وتوسيط النهي عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة مطلقاً كما قال شيخ الإسلام باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع للأنساب فإن من لم يثبت نسبه ميت حكماً‏.‏

‏{‏إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً‏}‏ فعلة ظاهرة القبح زائدته ‏{‏وَسَاء سَبِيلاً‏}‏ أي وبئس السبيل سبيلاً لما فيه من اختلال أمر الأنساب وهيجان الفتن، وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن» وجاء في غير رواية أنه إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإن تاب ونزع رجع إليه وهو من الكبائر، وفاحشة مطلقاً على ما أجمع عليه المحققون بل في الحديث الصحيح أنه بحليلة الجار من أكبر الكبائر، وزعم الحليمي أنه فاحشة إن كان بحليلة الجار أو بذات الرحم أو بأجنبية في شهر رمضان أو في البلد الحرام وكبيرة إن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية على سبيل القهر والإكراه وإذا لم يوجب حدا يكون صغيرة، ولا يخفى رده وضعف مبناه، والآية ظاهرة في أنه فاحشة مطلقاً نعم أفحش أنواعه الزنا بحليلة الجار، وقال بعضهم‏:‏ أعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من وقع على ذات محرم فاقتلوه» وزنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما، وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشاب، وزنا الحر والعالم لكمالهما أقبح من زنا القن والجاهل، وهل هو أكبر من اللواط أم لا‏؟‏ فيه خلاف وفي الأحياء أنه أكبر منه لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضرر، ومنه اختلاط الأنساب بكثرته، وقد يعارض بأن حده أغلظ بدليل قول مالك وآخرين برجم اللوطي ولو غير محصن بخلاف الزاني‏.‏

وقد يجاب بأن المفضول قد يكون فيه مزية، وفيه ما فيه، وبالغ بعضهم فقال‏:‏ إنه مطلقاً يلي الشرك في الكبر، والأصح أن الذي يلي الشرك هو القتل ثم الزنا، وخبر الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام الظاهر كما قال ابن حجر الهيثمي أنه لا أصل له، نعم روى الطبراني‏.‏ والبيهقي‏.‏ وغيرهما الغيبة أشد من الزنا إلا أن له ما يبين معناه وهو ما رواه ابن أبي الدنيا‏.‏ وأبو الشيخ عن جابر‏.‏ وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا أن الرجل ليزنى فيتوب الله تعالى عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه فعلم منه أن أشدية الغيبة من الزنا ليست على الإطلاق بل من جهة أن التوب الباطنة المستوفية لجميع شروطها من الندم من حيث المعصية والإقلاع وعزم أن لا يعود مع عدم الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها مكفرة لإثم الزنا بمجردها بخلاف الغيبة فإن التوبة وإن وجدت فيها هذه الشروط لا تكفرها بل لا بد وأن ينضم إليها استحلال صاحبها مع عفو فكانت الغيبة أشد من هذه الحيثية لا مطلقاً فلا يعكر الحديث على الأصح، وعلم منه أيضاً أن الزنا لا يحتاج في التوبة منه إلى استحلال وهو ما صرح به غير واحد من المحققين وهو مع ذلك من الحقوق المتعلقة بالآدمي كيف لا وهو من الجناية على الإعراض والأنساب، ومعنى قولهم إن الزنا لا يتعلق به حق آدمي أي من المال ونحوه وعدم اشتراط الاستحلال لا يدل على أنه ليس من الحقوق المتعلقة بالآدمي مطلقاً، وإنما لم يشترط الاستحلال لما يترتب على ذكره من زيادة العار والظن الغالب بأن نحو الزوج أو القريب إذا ذكر له ذلك يبادر إلى قتل الزاني أو المزني بها أو إلى قتلهما معاً ومع ما ذكر كيف يمكن القول باشتراطه، وقد صرح بنحو ذلك حجة الإسلام الغزالي في منهاج العابدين فقال في ضمن تفصيل قال الأذرعي‏:‏ إنه في غاية الحسن والتحقيق أما الذنب في الحرم فإن خنته في أهله وولده فلا وجه للاستحلال والإظهار لأنه يولد فتنة وغيظاً بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك ويجعل له خيراً كثيراً في مقابلته فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل منه، وقد ق الأذرعي في مواضع في الحسد والتوبة منه‏:‏ ويشبه أن يحرم الإخبار به إذا غلب على ظنه أن لا يحلله وأنه يتولد منه عداوة وحقد وأذى للمخبر، ثم قال‏:‏ ويجوز أن ينظر إلى المحسود فإن كان حسن الخلق بحيث يظن أنه يحلله تعين أخباره ليخرج من ظلامته بيقين وإن غلب على ظنه أن إخباره يجر شراً وعداوة حرم إخباره قطعاً وإن تردد فالظاهر ما ذكره النووي من عدم الوجوب والاستحباب فإن النفس الزكية نادرة وربما جر ذلك شراً وعداوة وإن حلله بلسانه اه، فإذا كان هذا في الحسد مع سهولته عند أكثر الناس وعدم مبالاتهم به ون ثم أطلق النووي عدم الإخبار فقال‏:‏ المختار بل الصواب أنه لا يجب إخبار المحسود بل لا يستحب ولو قيل يكره لم يبعد فما بالك في الزنا المستلزم أن الزوج والقريب يقتل فيه بمجرد التوهم فكيف مع التحقق ويعلم من الأخبار أن ثمرات الزنا قبيحة منها أنه يورد النار والعذاب الشديد وأنه يورث الفقر وذهاب البهاء وقصد العمر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني، ولما قيل لبعض الملوك ذلك أراد تجربته بابنة له وكانت غاية في الحسن فأنزلها مع امرأة وأمرها أن لا تمنع أحداً أراد التعرض لها بأي شيء شاء وأمرها بكشف وجهها فطافت بها في الأسواق فما مرت على أحد إلا وأطرق حياء وخجلاً منها فلما طافت بها المدينة كلها ولم يمد أحد نظره إليها رجعت بها إلى دار الملك فلما أرادت الدخول أمسكها إنسان وقبلها ثم ذهب عنها فادخلتها على الملك وذكرت له القصة فسجد شكراً وقال‏:‏ الحمد لله تعالى ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة وقد قوصصت بها نسأل الله سبحانه أن يعصمنا وذراينا ومن ينسب إلينا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقرأ أبي بن كعب كما أخرجه عنه ابن مردويه ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً إِلاَّ مَن تَابَ فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ فذكر لعمر رضي الله تعالى عنه فأتاه فسأله فقال أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالنقيع وهذا إن صح كان قبل العرضة الأخيرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله‏}‏ أي حرمها الله تعالى، والمراد حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد ‏{‏إِلاَّ بالحق‏}‏ متعلق بلا تقتلوا والباء للسببية والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ويجوز أن يكون الاً من الفاعل أو المفعول أي لا تقتلوا إلا ملتبسين بالحق أو لا تقتلوها إلا ملتبسة بالحق، وجوزأن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي لا تقتلوها قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحق والأول أظهر، وأما تعلقه بحرم فبعيد وإن صح، وفسر الحق بما رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة، ونقض الحصر بدفع الصائل فإن ذلك ربما أدى إلى القتل، ودفع بأن المراد ما يكون بنفسه مقصوداً به القتل وما ذكر المقصود به الدفع وقد يفضي إليه في الجملة، والحق عدم انحصار الحق فيما ذكر وهو في الخبر ليس بحقيقي، وقد ذهب الشافعية إلى أن ترك الصلاة كسلاً مبيح للقتل وكذا اللواطة عند جمع من الأجلة‏.‏

‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا‏}‏ بغير حق يوجب قتله أو يبيحه للقاتل حتى أنه لا يعتبر إباحته لغير القاتل فقد نص علماؤنا أن من عليه القصاص إذا قتله غير من له القصاص يقتص له ولا يفيد قول الولي أنا أمرته بذلك إلا أن يكون الأمر ظاهراً ‏{‏فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ‏}‏ لمن يلي أمره من الوارث أو السلطان عند عدم الوارث، واقتصار البعض على الأول رعاية للأغلب ‏{‏سلطانا‏}‏ أي تسلطاً واستيلاء على القاتل بمؤاخذته بأحد أمرين القصاص أو الدية، وقد تتعين الدية كما في القتل الخطا والمقتول خطا مقتول ظلماً بالمعنى الذي أشير إليه وإن قلنا لا إثم في الخطا لحديث «رفع عن أمتي الخطا» وشرع الكفارة فيه لعدم التثبت واجتناب ما يؤدي إليه فليتأمل‏.‏

واستدل بتفسير الولي بالوارث على أن للمرأة دخلاً في القصاص‏.‏

وقال القاضي إسماعيل‏:‏ لا تدخل لأن لفظه مذكر ‏{‏فَلاَ يُسْرِف‏}‏ أي الولي ‏{‏فّى القتل‏}‏ أي فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلاً والقاتل واحد كعادة الجاهلية فإنهم كانوا إذا قتل منهم واحد قتلوا قاتله وقتلوا معه غيره، ومن هنا قال مهلهل‏:‏

كل قتيل في كليب غره *** حتى ينال القتل آل مره

وإلى هذا ذهب ابن جبير وأخرجه المنذر من طريق أبي صالح عن ابن عباس أو بأن يقتل غير القاتل ويترك القاتل‏.‏ وروى هذا عن زيد بن أسلم؛ فقد أخرج البيهقي في سننه عنه أن الناس فـ يالجاهلية إذا قتل من ليس شريفاً شريفاً لم يقتلوه به وقتلوا شريفاً من قومه فنهى عن ذلك بأن يزيد على القتل المثلة كما قيل‏.‏

وأخرج ابن جرير وغيره عن طلق بن حبيب أنه قال‏:‏ لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به، وقيل بأن يقتل القاتل والمشروع عليه الدية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة أنه قال في الآية‏:‏ من قتل بحديدة قتل بحديدة ومن قتل بخشبة قتل بخشبة ومن قتل بحجر قتل بحجر ولا يقتل غير القاتل‏.‏ وفيه القول بأن القتل بالمثقل يوجب القصاص وهو خلاف مذهبنا‏.‏

وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏فَلا‏}‏ بالخطاب للولي التفاتاً، وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة ‏{‏سلطانا فَلاَ يُسْرِف‏}‏ بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر وفيه مبالغة ليس في الأمر ‏{‏إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا‏}‏ تعليل للنهي، والضمير للولي أيضاً على معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب القصاص أو الدية وأمر الحكام بمعونته في استيفاء حقه فلا يبغ ما وراء حقه ولا يخرج من دائرة أمرة الناصر‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد أن الضمير للمقتول على معنى أن الله تعالى نصره في الدنيا بأخذ القصاص أو الدية وفي الأخرى بالثواب فلا يسرف وليه في شأنه، وجوز أن يعود على الذي أسرف به الولي أي أنه تعالى نصره بإيجاب القصاص والتعزيز والوزر على من أسرف في شأنه، وقيل ضمير يسرف للقاتل أي مريد القتل ومباشرة ابتداء ونسبه في «الكشاف» إلى مجاهد، والضميران في التعليل عائدان على الولي أو المقول، وأيد بقراءة أبي ‏{‏فَلا تُسْرِفُواْ‏}‏ لأن القاتل متعدد في النظم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ‏}‏ والأصل توافق القراءتين، ولم تعينه لأن الولي عام في الآية فهو في معنى الأولياء فيجوز جمع ضميره بهذا الاعتبار ويكون التفاتاً، وتوافق القراءتين ليس بلازم، والمعنى فلا يسرف على نفسه في شأن القتل بتعريضها للهلاك العاجل والآجل‏.‏ وفي «الكشف» أنه ردع للقاتل على أسلوب ‏{‏وَلَكُمْ فِي القصاص حياة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 179‏]‏ والنهي عن الإسراف لتصوير أن القتل بغير حق كيف ما قدر إسراف، ومعناه فلا يقتل بغير حق وأنت تعلم أن هذا الوجه غير وجيه فلا ينبغي التعويل عليه، وهذه الآية كما أخرج غير واحد عن الضحاك أول آية نزلت في شأن القتل وقد علمت الأصح أنه أكبر الكبائر بعد الشرك، وكون القتل العمد العدوان من الكبائر مجمع عليه، وعد شبه العمد منها هو ما صرح به الهروي وشريح الروياني، وأما الخطأ فالصواب أنه ليس بمعصية فضلاً عن كونه ليس بكبيرة فليحفظ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم‏}‏ نهى عن قربانه لما ذكر سابقاً من المبالغة في النهي عن التعرض له وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ‏}‏ أي إلا بالخصلة والطريقة التي هي أحسن الخصال والطرائق وهي حفظه واستثماره ‏{‏حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ‏}‏ غاية لجواز التصرف على الوجه الأحسن المدلول عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور فقط، والأشد قيل جمع شد كالأضر جمع ضر والشد القوة وهو استحكام قوة الشباب والسن كما أن شد النهار ارتفاعه، قال عنترة‏:‏

عهدي به شد النهار كأنما *** خضب البنان ورأسه بالعظلم

وقيل هو جمع شدة مثل نعمة وأنعم، وقال بعض البصريين، وهو واحد مثل الآنك‏:‏ والمراد ببلوغه الأشد بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله ثم التصرف بمال اليتيم بنحو الأكل على غير الوجه المأذون فيه من الكبائر، وتردد ابن عبد السلام بتقييده بنصاب السرقة فقال في القواعد‏:‏ قد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعاً في مال خطير فهو ظاهر وإن وقعا في مال حقير كزبيبة وتمرة فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطاما عن جنس هذه المفسدة كالقطرة من الخمر وإن لم تتحقق المفسدة ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة اه‏.‏ وقد يفرق بينهما بأن في شهادة الزور مع الجراءة على انتهاك حرمة المال المعصوم جراءة على الكذب في الشهادة بخلاف القليل من مال اليتيم فلا يستبعد التقييد به بخلافها كذا قيل‏.‏

والحق إن الآيات والأخبار الواردة في وعيد أكل مال اليتيم مطلقة فتتناول القليل والكثير فلا يجوز تخصيصها إلا بدليل سمعي وحيث لا دليل كذلك فالتخصيص غير مقبول فالوجه أنه لا فرق بين أكل القليل وأكل الكثير في كونه كبيرة يستحق فاعله الوعيد الشديد، نعم الشيء التافه الذي تقتضي العادة بالمسامحة به لا يبعد كون أكله ليس من الكبائر والله تعالى أعلم، وقد توصل القضاة اليوم إلى أكل مال اليتيم في صورة حفظه عاملهم الله تعالى بعده وأذاق خائنهم في الدارين جزاء فعله ‏{‏وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ‏}‏ ما عاهدم الله تعالى عليه من التزام تكاليفه وما عاهدتم عليه غيركم من العباذ ويدخل في ذلك العقود‏.‏

وجوز أن يكون المراد ما عاهدكم الله تعالى عليك وكلفكم به، والإيفاء بالعهد والوفاء به هو القيام بمقتضاه والمحافظة عليه وعدم نقضه واشتقاق ضده وهو الغدر يدل على ذل وهو الترك ولا يكاد يستعمل إلا بالباء فرقاً بين وبين الإيفاء الحسي كإيفاء الكيل والوزن ‏{‏إِنَّ العهد‏}‏ أظهر في مقام الإضمار إظهاراً لكمال العناية بشأنه وقيل دفعاً لتوهم عود الضمير إلى الإيفاء المفهوم من ‏{‏أَوْفُواْ‏}‏ ‏{‏كَانَ مَّسْئُولاً‏}‏ أي مسؤولاً عنه على حذف الجار وجعل الضمير بعد انقلابه مرفوعاً مستكناً في اسم المفعول ويسمى الحذف والإيصال وهو شائع‏.‏

وجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف أي إن صاب العهد كان مسؤولاً، وقيل لا حذف أصلاً والكلام على التخييل كأنه يقال للعهد لم نكثت وهلا في بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة ‏{‏بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 9‏]‏ وقد يعتبر فيه الاستعارة المكنية والتخييلية، وزعم بعضهم أنه يجوز أن يجعل العهد متمثلاً على هيئة من يتوجه عليه السؤال كما تجسم الحسنات والسيآت لتوزن‏.‏

وجوز أن يكون ‏{‏مسؤلاً‏}‏ بمعنى مطلوباً من سألت كذا إذا طلبت، وإسناد المطلوبية إليه مجاز والمراد مطلوب عدم إضاعته، ويجوز أن يكون في الكلام مضاف محذوف ارتفع الضمير واستتر بعد حذفه، والأصل ما أشرنا إليه وقد سمعت آنفاً أن مثل ذلك شائع، وليس في ذلك تعليل الشيء بنفسه فإن المآل إلى أن يقال‏:‏ أوفوا بالعهد فإن عدم إضاعته لم تزل مطلوبة من كل أحد فتطلب منكم أيضاً، ثم إن الإخلال بالوفاء بالعهد على ما تقتضيه الأحاديث الصحيحة قيل كبيرة، وقد جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه عند من الكبائر نكث الصفقة أي الغدر بالمعاهد بل صرح شيخ الإسلام العلائي بأنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماه كبيرة، وقال بعض المحققين‏:‏ إن في إطلاق كون الإخلال المذكور كبيرة نظراً بناء على أن العهد هو التكليفات الشرعية فإن من الإخلال ما يكون كبيرة ومنه ما يكون صغيرة وينظر في ذلك إلى حال المكلف به، ولعل من قال‏:‏ إن الإخلال بالعهد كبيرة أراد بالعهد مبايعة الإمام وبالإخلال بذلك نقض بيعته والخروج عليه لغير موجب ولا تأويل ولا شبه في أن ذلك كبيرة فليتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا الكيل‏}‏ أتموه ولاتخسروه ‏{‏إِذا كِلْتُمْ‏}‏ أي وقت كيلكم للمشترين، وتقييد الأمر به لما أن التطفيف يكون هناك، وإما وقت الاكتيال على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 2‏]‏ الآية ‏{‏وَزِنُواْ بالقسطاس‏}‏ هو القبان على ما روى عن الضحاك ويقال له القرسطون بلغة أهل الشام كما قال الأزهري، وقال الزجاج‏:‏ والميزان صغيراً كان أو كبيراً من موازين الدراهم وغيرها، وقال الليث‏:‏ هو أقوم الموازين، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه العدل، وعن الحسن أنه الحديد وهو رمي معرب كما قال ابن دريد لفقد مادته في العربية، وقيل‏:‏ إنه عربي وروى القول بتعريبه وأنه الميزان في اللغة الرومية عن ابن جبير وجماعة، وقيل‏:‏ هو مركب من كلمتين القسط وهو العدل وطاس وهو كفة الميزان لكنه حذف أحد الطائين لأن التركيب محل تخفيف وهو كما ترى، وعلى القول بأنه رومي معرب وهو الصحيح لا يقدح استعماله في القرآن في عربيته المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 2‏]‏ لأنه بعد التعريب والسماع في فصيح الكلام يصير عربياً فلا حاجة إلى إنكار تعريبه أو ادعاء التغليب أو أن المراد عربي الأسلوب‏.‏

وقد قرأه الكوفيون بكسر القاف والباقون بضمها، وقد تبدل السين الأولى صاداً كما أبدلت الصاد سيناً في الصراط‏.‏ ‏{‏الْمُسْتَقِيمَ‏}‏ أي العدل السوي، وهو يبعد تفسير القسطاس بالعدل، ولعل الاكتفاء باستقامته عن الأمر بإيفاء الوزن كما قال شيخ ازسلام لما أن عند استقامته لا يتصور الجور غالباً بخلاف الكيل فإنه كثير ما يقع التطفيف مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاء بإيفاء الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءه لا يتصور بدون تعديل المكيال وقد أمر بتقويمه أيضاً في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْفُوا المكيال والميزان بالقسط‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 85‏]‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي إيفاء الكيل والوزن بالقسطاط المستقيم ‏{‏خَيْرٌ‏}‏ في الدنيا لأنه سبب لرغبة الناس في معاملة فاعله وجلب الثناء الجميل عليه ‏{‏وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏ أي عاقبة لما يترتب عليه من الثواب في الآخرة، والتأويل تفعيل من آل إذا رجع وأصله رجوع الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 7‏]‏ أو فعلاً كما في قوله سبحانه ‏{‏يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 53‏]‏ وقول الشاعر‏:‏

وللنوي قبل يوم البين تأويل *** وقيل‏:‏ المراد ذلك خير في نفسه لأنه أمانة وهي صفة كمال وأحسن عاقبة في الدنيا لأنه سبب لميل القلوب والرغبة في المعاملة والذكر الجميل بين الناس ويفضي ذلك إلى الغنى وفي الآخرة لأنه سبب للخلاص من العذاب والفوز بالثواب، وقيل‏:‏ أحسن تأويلاً أي أحسن معنى وترجمة، ثم إن إيفاء الكيل والوزن واجب إجماعاً ونقص ذلك من الكبائر مطلقاً على ما يقتضيه الوعيد الشديد لفاعله الوارد في الآيات والأحاديث الصحيحة ولا فرق بين القليل والكثير، نعم قال بعضهم‏:‏ إن التطفيف بالشيء التافه الذي يسامح به أكثر الناس ينبغي أن يكون صغيرة، فإن قلت ذكروا في الغصب أن غصب ما دون ربع دينار لا يكون كبيرة وقضيته أن يكون التطفيف كذلك قلت قيل ذلك مشكل فلا يقاس عليه بل حكى الإجماع على خلافه‏.‏

وقال الأذرعي إنه تحديد لا مستند له انتهى، وعلى التنزيل فقد يفرق بأن الغصب ليس مما يدعو قليله إلى كثيره لأنه إنما يكون على سبيل القهر والغلبة بخلاف التطفيف فتعين التنفير عنه بأن كلاً من قليله وكثيره كبيرة أخذاً مما قالوه في شرب القطرة من الخمر من أنه كبيرة وأن لم يوجد فيها مفسدة الخمر لأن قليله يدعو إلى كثيره، ومثل التطفيف في الكيل والوزن النقص في الذرع ولا يكاد يسلم كيال أو وزان أو ذراع في هذه الأعصار من نقص الأمن عصمه الله تعالى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَقْفُ‏}‏ ولا تتبع، وأصل معنى قفا اتبع قفاه ثم استعمل في مطلق الاتباع وصار حقيقة فيه‏.‏ وقرىء ‏{‏وَلاَ‏}‏ بإثبات حرف العلة مع الجازم وهو شاذ، وقرىء أيضاً ‏{‏تَأْوِيلاً وَلاَ تَقْفُ‏}‏ بضم القاف وسكون الفاء كتقل على أنه أجوف مجزوم بالسكون وماضيه قاف يقال قاف أثره يقوفه إذا قصده واتبعه ومنه القيافة وأصلها ما يعلم من الإقدام وأثرها، وعن أبي عبيدة أن قاف مقلوب قفا كجذب وجبذ‏.‏ وتعقب بأن الصحيح خلافه‏.‏

‏{‏مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ أي لا تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً ويندرج في ذلك أمور‏.‏ وكل من المفسرين اقتصر على شيء فقيل المراد نهي المشركين عن القول في الإلهيات والنبوات تقليداً للإسلاف واتباعاً للهوى، وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ عن محمد بن الحنفية أن المراد النهي عن شهادة الزور، وقيل‏:‏ المراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات، ومن ذلك قول الكميت‏:‏

ولا أرمي البري بغير ذنب *** ولا اقفوا لحواصن أن رمينا

وروى البيهقي في شعب الإيمان‏.‏ وأبو نعيم في الحلية من حديث معاذ بن أنس «من قفا مؤمناً بما ليس فيه يريد شينه به حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» وقيل‏:‏ المراد النهي عن الكذب، أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أنه قال في الآية‏:‏ لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر، واختار الإمام العموم قال‏:‏ إن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقييد، واحتج بالآية نفاة القياس لأنه قفو للظن وحكم به‏.‏ وأجيب بانهم أجمعوا على الحكم بالظن والعمل به في صور كثيرة فمن ذلك الثلاة على الميت ودفنه في مقابر المسلمين وتوريث المسلم منه بناء على أنه مسلم وهو مظنون والتوجه إلى القبلة في الصلاة وهو مبني على الاجتهاد بإمارات لا تفيد إلا الظن وأكل الذبيحة بناء على أنها دبيحة مسلم وهو مظمنون والشهادة فإنها ظنية وقيم المتلفات واروش الجنايات فإنها لا سبيل إليها الا الظن، ومن نظر ولو بمؤخر العين رأى أن جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجل المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر» فالنهي عن اتباع ما ليس بعلم قطعي مخصوص بالعقائد وبأن الظن قد يسمى علماً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار‏}‏

‏[‏الممتحنة‏:‏ 10‏]‏ فإن العلم بإيمانهن إنما يكون بإقرارهن وهو لا يفيد إلا الظن، وبأن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس كان ذلك الدليل دليلاً على أنه متى حصل ظن أن حكم الله تعالى في هذه الصورة يساوي حكمه في محل النص فانتم مكلفون بالعلم على وفق ذلك الظن فههنا الظن واقع في طريق الحكم وأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن‏.‏ وأجاب النفاة عن الأول بأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَقْفُ‏}‏ الآية عام دخله التخصيص فيما يذكرون فيه العمل بالظن فيبقى العموم فيما وراءه على أن بين ما يذكرونه من الصور وبين محل النزاع فرقاً لأن الأحكام المتعلقة بالأول مختصة باشخاص معينين في أوقات معينة فالتنصيص على ذلك متعذر فاكتفى بالظن للضرورة بخلاف الثاني فإن الأحكام المثبتة بالأقيسة كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة والتنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن، وعن الثاني بأن المغايرة بين العلم والظن مما لا شبهة فيه ويدل عليها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 148‏]‏ والمؤمن هو المقر وذلك الإقرار هو العلم فليس في الآية تسمية الظن علماً، وعن الثالث بأنه إنما يتم لو ثبت حجية القياس بدليل قاطع وليس فليس، واحسن ما يمكن أن يقال في الجواب على ما قال الإمام أن التمسك بالآية تمسك بعام مخصوص وهو لا يفيد إلا الظن فلو دلت على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بها غير جائز فالقول بحجيتها يفضي إلى نفيه وهو باطل، وللمجيب أن يقول‏:‏ نعلم بالتواتر الظاهر من دين النبي صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر فتأمل ‏{‏إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك‏}‏ أي كل هذه الأعضاء وأشير إليها باولئك على القول بأنها مختصة بالعقلاء تنزيلاً لها منزلتهم لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إنها غالبة في العقلاء وجاءت لغيرهم من حيث أنها اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين ومن ذلك قول جرير على ما رواه غير واحد‏:‏

ذم المنازل بعد منزلة اللوى *** والعيش بعد أولئك الأيام

وعلى هذا لا حاجة إلى التنزيل وارتكاب الاستعارة فيما تقدم ‏{‏كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً‏}‏ كل الضمائر ‏{‏كُلٌّ‏}‏ أي كان كل من ذلك مسؤولاً عن نفسه فيقال له‏:‏ هل استعملك صاحبك فيما خلقت له أم لا‏؟‏ وذلك بعد جعله أهلا للخطاب والسؤال‏.‏ وجوز أن يكون ضمير ‏{‏عَنْهُ‏}‏ لكل وما عداه للقافي فهناك التفات إذ الظاهر كنت عنه مسؤولاً‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏عَنْهُ‏}‏ نائب فاعل ‏{‏مَسْؤُولاً‏}‏ فهو مسند إليه ولا ضمير فيه نحو دغير المغضوب عليهم‏}‏‏.‏

ورده أبو البقاء وغيره بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله‏.‏ وذكر أنه حكى ابن النحاس الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً فليس ذلك نظير ‏{‏غير المغضوب عليهم‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 7‏]‏ ورده أبو البقاء وغيره بأن القائم مقام الفاعل حكمه حكمه في أنه لا يجوز تقدمه على عامله كأصله‏.‏ وذكر أنه حكى ابن النحاس الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً فليس ذلك نظير ‏{‏غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ‏}‏ وليس لقائل أن يقول‏:‏ إنه على رأي الكوفيين في تجويزهم تقديم الفاعل إلا أن ينازع في صحة الحكاية، ونقل عن صاحب التقريب أنه إنما جاز تقديم ‏{‏عَنْهُ‏}‏ مع أنه فاعل لمحا لاصالة ظرفيته لا لعروض فاعليته ولأن الفاعل لا يتقدم لالتباسه بالمبتدأ والا التباس ههنا ولأنه ليس بفاعل حقيقة اه‏.‏ والانصاف أنه مع هذا لا يقال لما ذهب إليه شيخ العربية إنه غلط‏.‏

وذكر في شرح نحو المفتاح أنه مرتفع بمضمر يفسره الظاهر، وجوز إخلاء المفسر عن الفاعل إذا لم يكن فعلا معللا باصالة الفعل في رفع الفاعل فلا يجوز خلوه عنه بخلاف اسمي الفاعل والمفعول تشبيهاً بالجوامد‏.‏

وتعقبه في الكشف بأن فيه نظراً نقلاً وقياسا؛ أما الأول فلتفرده به، وأما الثاني فلأن الاحتياج إليه من حيث أنه إذا جرى على شيء لا بد من عائد إليه ليرتبط به ويكون هو الذات القائم هو بها إن كان فاعلا أو لابساً لتلك الذات وليس كالجوامد في ارتباطها بالسوابق بنفس الحمل لأنها لا تدل على معنى متعلق بذات فالوجه أن يقال حذف الجار واستتر الضمير بعده في الصفة، وقد سمعت عن قرب أن هذا من باب الحذف والإيصال وأنه شائع، وجوز أن يكون مرفوع ‏{‏مَسْؤُولاً‏}‏ المصدر وهو السؤال و‏{‏عَنْهُ‏}‏ في محل النصب‏.‏ وسأل ابن جنى أبا علي عن قولهم‏:‏ فيك يرغب وقال لا يرتفع بما بعده فأين المرفوع‏؟‏ فقال‏:‏ المصدر أي فيك يرغب الرغب بمعنى تفعل الرغبة كما في قولهم‏:‏ يعطي، يمنع أي يفعل الإعطاء والمنع، وجوز أن يكون اسم كان أو فاعله ضمير ‏{‏كُلٌّ‏}‏ محذوف المضاف أي كان صاحبه عنه مسؤولاً أو كان عنه مسؤولاً صاحبه فيقال له لم استعملت السمع فيما لا يحل ولم صرفت البصر إلى كذا والفؤاد إلى كذا‏؟‏ وقرأ الجراح العقيلي ‏{‏والفواد‏}‏ بفتح الفاء وإبدال الهمزة واواً، وتوجيهها أنه أبدلت الهمزة واواً لوقوعها مع ضمة في المشهور ثم فتحت الفاء تخفيفاً وهي لغة في ذلك، ولا عبرة بإنكار أبي حاتم لها، واستدل بالآية على أن العبد يؤاخذ بفعل القلب كالتصميم على المعصية والأدواء القلبية كالحقد والحسد والعجب وغير ذلك نعم صرحوا بأن الهم بالمعصية من غير تصميم لا يؤاخذ به للخبر الصحيح في ذلك ثم إن اتباع الظن يكون كبيرة ويكون صغيرة حسب أنواعه وأصنافها ومنه ما هو أكبر الكبائر كما لا يخفى نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن جميع ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَمْشِ فِى الارض مَرَحًا‏}‏ أي فخراً وكبراً قاله قتادة، وقال الرغب‏:‏ المرح شدة الفرح والتوسع فيه والأول أنسب، وهو مصدر وقع موقع الحال والكلام في مثله إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفة شائع، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية لفعل محذوف أي تمرح مرحاً وأن يكون مفعولاً له أي لأجل المرح، وقرىء ‏{‏مَرَحاً‏}‏ بكسر الراء عن أنه صفة مسبهة ونصبه على الحالية لا غير، قيل وهذه القراءة باعتبار الحكم أبلغ من قراءة المصدر المفيد للمبالغة بجعله عين المرح نظير ما قيل في زيد عدل لأن الوصف واقع في حيز النهي الذي هو في معني النفي ونفي أصل الاتصاف أبلغ من نفي زيادته ومبالغته لأنه ربما يشعر ببقاء أصله في الجملة، وجعل المبالغة راجعة إلى النفي دون المنفى كما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 46‏]‏ بعيدهنا، والقول بأن الصفة المشبهة تدل على الثبوت فلا يقتضي نفي ذلك نفي أصله كما قيل في المصدر مغالطة نشأت من عدم معرفة معنى الثبوت في الصفة فإن المراد به أنه لا تدل على تجدد وحدوث لا انها تدل على الددوام‏.‏ والأخفش فضل القراءة بالمصدر لما فيه من التأكيد ولم ينظر إلى أن ذلك في الإثبات لا في النفي وأما في حكمه‏.‏ وأورد على ما قيل أن فيه تفضيل القراءة الشاذة على المتواترة وهو كما ترى‏.‏

ولذا فضل بعضهم القراءة بالمصدر كالأخفش وجعل المبالغة المستفادة منه راجعة إلى النهي ومنع كون ذلك بعيداً، وقيل إذا جعل التقدير في المتواترة ذا مرح تتحد مع الشاذة‏.‏ وتعقب بان ذا مرح أبلغ من مرحا صفة لما فيه من الدلالة على أنه صاحب مرح وملازم له كانه مالك إياه وفيه توقف كما لا يخفى، والتقييد بالأرض لا يصح أن يقال للاحتراز عن المشي في الهواء أو على الماء لأن هذا خارق ولا يحترز عنه بل للتذكير بالمبدأ والمعاد وهو أردع عن المشي مشية الفاخر المتكبر وادعى لقبول الموعظة كأنه قيل‏:‏ لا تمش فيما هو عنصرك الغالب عليك الذي خلقت منه وإليه تعود والذي قد ضم من أمثالك كثيراً مشية الفاخر المتكبر، وقيل للتنصيص على أن النهي عن المشي مرحاً في سائر البقع والأماكن لا يختص به أرض دون أرض، والأول ألطف‏.‏

‏{‏إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الارض‏}‏ تعليل للنهي وقيه تهكم بالمختال أي إنك لن تقدر أن تجعل فيها خرقاً بدوسك وشدة وطاتك ‏{‏وَلَن تَبْلُغَ الجبال‏}‏ التي عليها ‏{‏طُولاً‏}‏ بتعاظمك ومدقامتك فاين أنت والتكبر عليها إذا التكبر إنما يكون بكثرة القوم وعظم الجثة وكلاهما مفقود فيك أوانك لن تقدر على ذلك فانت أضعف من كل واحد من هذين الجمادين فكيف يليق بك التكبر، وقال بعض المحققين‏:‏ مآل النهي والتعليل لا تفعل ذلك فإنه لا جدوى فيه وهو وجه حسن، ونصب ‏{‏طُولاً‏}‏ على أنه تمييز، وجوز أن يكون مفعولاً له، وقيل‏:‏ يشير كلام بعضهم إلى أنه منصوب على نزع الخافض وهو بمعنى التطاول أي لن تبلغ الجبال بتطاولك ولا يخفى بعده، وإيثار الاظهار على الإضمار حيث لم يقل لن تخرقها لزيادة الإيقاظ والتقريع، ثم إن الاختيال في المشي كبيرة كاتدل عليه الأحاديث الصحيحة وهذا فيما عدا بين الصفين أما بينهما فهو مباح لخبر صح فيه، ويكفي ما في الآية من التهكم والتقريع زاجراً لمن اعتاده حيث لا يباح ككثير من الناس اليوم‏.‏

وفي الانتصاف قد حفظ الله تعالى عوام زماننا من هذه المشية وتورط قراؤنا وفقهاؤنا بينا أحدهم قد عرف مسألتين أو أجلس بين يديه طالبين أو نال طرفا من رياسة الدنيا إذ هو يمشي خيلاء ولا يرى أنه يطاول الجبال ولكن يرى أنه يحك بيافوخه عنان السماء كأنهم على هذه الآية لا يمرون أو يمرون عليها وهم عنها معرضون اه‏.‏

وإذا كان هذا حال قراء زمانه وفقهائه فماذا أقول أنا في قراء زماني وفقهائهم سوى لا كثر الله تعالى أمثالهم ولا ابتلانا بشيء من أفعالهم وجعلها أفعى لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏كُلُّ ذلك‏}‏ المذكور في تضاعيف الأوامر والنواهي السابقة من الخصال المنحلة إلى نيف وعشرين ‏{‏كَانَ سَيّئُهُ‏}‏ وهو ما نهى عنه منها من الجعل مع الله سبحانه إلهاً آخر وعبادة غيره تعالى والتأفيف والنهر والتبذير وجعل اليد مغلولة إلى العنق وبسطها كل البسط وقتل الأولاد خشية إملاق وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق وإسراف الولي في القتل وقفو ما ليس بمعلوم والمشي في الأرض مرحاً فالإضافة لامية من إضافة البعض إلى الكل ‏{‏عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا‏}‏ أي مبغضاً وإن كان مراداً له تعالى بالإرادة التكوينية وإلا لما وقع كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم «ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ يكن» وغير ذلك، وليست هذه الإرادة مرادفة أو ملازمة للرضا ليلزم اجتماع الضدين الإرادة المذكورة والكراهة كما يزعمه المعتزلة، وهذا تتميم لتعليل الأمور المنهى عنها جميعاً، ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الكف عن ذلك، وتوجيه الإشارة إلى الكل ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء لما قيل‏:‏ من أن البعض المذكور ليس بمذكور حملة بل على وجه الاختلاط لنكتة اقتضته، وفيه إشعار بكون ما عداه مرضياً عنده سبحانه وإنما لم يصرح بذلك إيذاناً بالغني عنه، وقيل اهتماماً بشأن التنفير عن النواهي لما قالوا من أن التخلية أولى من التحلية ودرء المفاسد أهم من جلب الصالح، وجوز أن تكون الإضافة بيانية و‏{‏ذلك‏}‏ إما إشارة إلى جميع ما تقدم ويؤخذ من المامورات أضدادها وهي منهى عنها كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إِحْسَاناً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏ بعد قوله سبحانه ‏{‏قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 151‏]‏ وإما إشارة إلى ما نهى عنه صريحاً فقط‏.‏

وقرأ الحجازيان والبصريان ‏{‏سَيّئَةٌ‏}‏ بفتح الهمزة وهاء التأنيث والنصب على أنه خبر كان، والإشارة إلى ما نهى عنه صريحاً وضمنا أو صريحاً فقط، و‏{‏مَكْرُوهًا‏}‏ قيل بدل من ‏{‏سَيّئَةٌ‏}‏ والمطابقة بين البدل منه غير معتبرة‏.‏

وضعف بأن بدل المشتق قليل، وقيل‏:‏ صفة ‏{‏سَيّئَةٌ‏}‏ محمولة على المعنى فإنها بمعنى سيئاً وقد قرىء به أو أن السيئة قد زال عنها معنى الوصفية وأجريت مجرى الجوامد فإنها بمعنى الذنب أو تجري الصفة على موصوف مذكر أي أمراً مكروهاً، وقيل‏:‏ إنه خبر لكان أيضاً ويجوز تعدد خبرها على الصحيح، وقيل‏:‏ حال من المستكن في ‏{‏كَانَ‏}‏ أو في الظرف بناء على جعله صفة ‏{‏سَيّئَةٌ‏}‏ لا متعلقاً بمكروهاً فيستتر فيه ضميرها، والحال على هذا مؤكدة‏.‏

وأنت تعلم أن ضمير السيئة المستتر مؤنث فجعل مكروهاً حالاً منه كجعله صفة ‏{‏سَيّئَةٌ‏}‏ في الاحتجاج إلى التأويل‏.‏ واضمار مذكراً كما في قوله‏:‏

ولا أرض أبقل ابقالها *** لا يخفى ما فيه‏.‏ وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قرأ ‏{‏شأنه‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏يَفْعَلْ ذلك‏}‏ المتقدم في التكاليف المفصلة ‏{‏مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ‏}‏ أي بعض منه أو منه جنسه ‏{‏مِنَ الحكمة‏}‏ التي هي علم الشرائع أو معرفة الحق سبحانه لذاته والخير للعمل به أو الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ والفساد، وفي الكشاف عن ابن عباس هذه الثماني عشرة آية يعني من ‏{‏لاَّ تَجْعَل‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 22‏]‏ فيما مر إلى ‏{‏مَلُومًا مَّدْحُورًا‏}‏ بعد كانت في ألواح موسى عليه السلام وهي عشر آيات في التوراة، وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلا ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ‏}‏ وهذا أعظم مدحاً للقرآن الكريم ما في الكشاف، و‏{‏مِنْ‏}‏ اما متعلقة بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائية وإما بمحذوف وقع حالا من الموصول أو عائده المحذوف أي من الذي أوحاه إليك ربك كائناً من الحكمة، وجوز أن يكون الجار والمجرور بدلاً من ما ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ‏}‏ الخطاب نظير الخطاب السابق كرر للتنبيه على أن التوحيد مبدى الأمر ومنتهاه وأنه رأس كل حكمة وملاكها، ورتب عليه أولا ما هو عائدة الشرك في الدنيا حيث قال ‏{‏فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 22‏]‏ ورتب عليه ههنا نتيجته في العقبى فقيل ‏{‏فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا‏}‏ من جهة نفسك ومن جهة غيرك ‏{‏مَّدْحُورًا‏}‏ مبعدا من رحمة الله تعالى‏.‏ وفي التفسير الكبير الفرق بين المذموم والملوم أن المذموم هو الذي يذكر أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر والملوم هو الذي يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت منه الإلحاق الضرر بنفسك‏.‏ ومن هذا يعلم أن الذم يكون أولاً واللوم آخراً، والفرق بين المخذول والمدحور أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت، والمراد به من تركت اعانته وفوض إلى نفسه والمدحور المطرود والمراد به المهان والمستخف به انتهى‏.‏ وفي إيراد الالقاء مبنياً للمفعول جرى على سنن الكبرياء وازدراء بالمشرك وجعل له كخشبة يأخذها من كان فيلقيها في التنور، هذا وقد وحد الخطاب في بعض هذه الأوامر والنواهي وجمع في بعض آخر منها ولم يظهر لي سر اختار كل من التوحيد والجمع فيما اختير فيه على وجه يسلم من القيل والقال ويهش له كمل الرجال، وقد ذكرت ذلك لبعض أحبابي من اجلة المحققين ورؤساء المدرسين وطلبت منه أن يحرر ما يظهر له حيث إنه محقق كماله وفضله فكتب ما نصه أقول معترفاً بالقصور محترزاً عن الغرور معتذراً بالقول المأثور المأمور معذور يخطر على خاطر الفقير لتغيير أسلوب الخطاب وجوه تسعة لا تدخل في الحساب‏.‏

الأول الأشعار بانقسام هذه التكاليف إلى أقسام ثلاثة قسم أهل الكل خوطب به الأمة مرتين مرة تصريحاً بخطاب أنفسهم ومرة تعريضاً بخطاب رسولهم صلى الله عليه وسلم وهذا الأهم هو التوحيد، وقسم مهم جداً لكن دون الأول خوطبوا به واحدة تصريحاً وهو أمور سبعة، الأول مطلق الإحسان بالوالدين فإن انتفاءه بأن لا يحسن إليهماأصلاً من أشد مراتب العقوق، والثاني ترك قتل الأولاد، والثالث الزنا، والرابع ترك قتل النفس المحرمة إلا بالحق، والخامس ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والسادس الإيفاء بالعهد، والسابع الوزن بالقسطاس المستقيم‏.‏ وقسم ثالث دون الأولين في المهمية خوطبوا به واحدة تعريضاً وهو أيضاً أمور أحد عشر‏.‏

الأول ترك قول أف للوالدين، والثاني ترك النهر فإن التأفيف والنهر من أهون مراتب العقوق بخلاف ترك الإحسان مطلقاً، والثالث قول القول الكريم لهما، والرابع خفض الجناح من الرحمة، والخامس الدعاء برحمة الله تعالى وهذه الثلاثة تركها ليس كترك مطلق الإحسان مثلا؛ والسادس ترك إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن السبيل وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني، والسابع ترك التبذير؛ والثامن قول القول الميسور، والتاسع العدل في المنع والعطاء، والعاشر ترك القفو لما ليس به علم الصادق على القول بموجب الظن مثلاً، والحادي عشر ترك المشي مرحاً وترك واحد من هذه الخمسة أيها كان لا يبلغ ترك واحد من الأمور المكلف بها المذكورة في القسم الثاني كما لا يخفى‏.‏ والثاني من تلك الوجوه الإيمان باتقران خطاب الأمة في النهي عن كبائر خطيرة مثلاً بخطابه صلى الله عليه وسلم عما ليس في خطرها إلى أن الذنوب نزداد عظماً بعظم مرتكبها فرضاً كما يدل عليه آية ‏{‏لَّوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ قَلِيلاً إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 74، 75‏]‏ وكريمة ‏{‏يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 30‏]‏ وكما اشتهر أن حسنات الأبرار سيئات المقربين أون المقربين على خطر عظيم لكن لم تراع هذه النكتة في النهى عن الشرك إشارة إلى أنه في غاية العطم بحيث لا ينبغي أن يتصور في عظمه ازدياد وتفاوت الأفراد، أو نقول‏:‏ لما عارضت هذه النكتة نكتة أخرى رجحت لكونها بالرعاية أحرى وهي الإشارة إلى أن الشرك كان عند الله سبحانه عظيماً فكرر الخطاب بالنهي عنه تخصيصاً وتعميماً، وهكذا نقول في عدم رعاية نكتة الوجوه الآتية في التكليف بالتوحيد ولا نعيد‏.‏ والثالث من تلك الوجوه التنبيه بتعميم الخطاب في النهي عن بعض المعاصي والأمر ببعض الطاعات على أن فتنة فعل تلك المعاصي وترك تلك الطاعات لا تصيب الذين ظلموا خاصة‏.‏

والرابع منها الإشارة بتعميم الخطاب فيما عمم فيه من المنهيات والمأمورات إلى أن تلك المنهيات كما يجب على كل مكلف الانكفاف عنها يجب عليه كف الغير بحيث لو تركه لكان كفاعله في أنه اقترف كبيرة نهى عنها نهى تلك المنهيات وإلى أن تلك المأمورات كما يجب على الكل أداؤها يجب اجبار التارك على أدائها بحيث لو لم يجبر لكان كتاركها في أنه ترك واجباً أمر به تلك المأمورات وبتخصيص الخطاب فيما خصص فيه إلى أنه ليس بتلك المقابة فإنه وإن وجب إجبار الغير على بعض تكاليفه لكن عسى أن لا يكون تركه كبيرة‏.‏ والخامس الرمز بتوحيد الخطاب فيما وحد فيه أن تلك الطاعة لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفي حقها إلا المتورعون الصالحون وقليل ما هم بخلاف غيرها فإنه مضبوط‏.‏

والسادس‏:‏ الأشعار بأن التكاليف التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لا يقوم بها حق القيام إلا هو أو من يقتدي بأنواره ويقتفي لآثاره ويسعى في اتباع سننه القويم ويجتهد، في التخلق بخلقه الكريم بخلاف غيرها مما خوطبوا به صريحاً فإنها تأتي من أغلبهم‏.‏

والسابع‏:‏ أنه صرف الخطاب عنه صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل الأولاد والزنا وقتل النفس المحرمة إلا بالحق والتصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن إشارة إلى أن تلك الشنائع لا يأتيها النبي عليه الصلاة والسلام وإن لم ينه عنها لأن فطرته وفطنته وسلام طبعه اللطيفة واستقامة مزاجه الشرف كانت كافية في كفه عنها، وكذا صرف عنه الخطاب في الأمر بالإحسان بالوالدين والإيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يأتي بهذه الأمور وإن لم يؤمر بها لأن ترك مطلق الإحسان بالوالدين لو بلغا لديه الكبر مثلا يلزمه من الفظاظة وغلظة القلب وجفاء الطبع ما كان يأباه طبيعته صلى الله عليه وسلم وكذا الغدر والتطفيف كانا تأباهما أخلاقه الكريمة لكن خوطب بالنهي عن الشرك لأنه ليس للطبع والخلق في التوحيد والشرك دخل‏.‏

والثامن‏:‏ أنه تعالى إجلالاً لحبيبه صلى الله عليه وسلم لم يخاطبه بنهيه عن فواحش قتل الولد والزنا وقتل النفس بغير حق لئلا يوهم أنه وحاشاه يأتيها قبل النهي، وكذا لم يخاطبه بأمره بالإيفاء بالعهد، والوزن بالقسطاس المستقيم لئلا يوهم أنه كان وحاشاه يتركها قبل هذا، وهذا الايهام ادعى للاعتناء بدفعه من الإيهام فيما خوطب به وحده، وخوطب بالنهي عن الشرك لأن معهودية دعوته صلى الله عليه وسلم للخاص والعام مدى الليالي والأيام كفته هذا الإيهام‏.‏

والتاسع‏:‏ لعل التكاليف التي خوطب صلى الله عليه وسلم بها كترك القفو لما ليس له به علم وترك المشي في الأرض مرحاً لم تكن في غير دينه من سائر الأديان أو لم تكن مصرحاً بها منصوصاً عليها في الكتب السماوية ما عدا القرآن فوجه الخطاب إليه وحده تلويحاً بأنها من خصائص دينه أو بأن التصريح بها والتنصيص عليها من خصائص كتابه، ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى بعد النهي عن القفو بلا علم والمشي مرحاً ‏{‏ذلك مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة‏}‏ ثم إني لا أدعي في هذا بل وفي سائر الوجوه البت والجزم ولا أقفو ما ليس لي به علم بل أقول هذا خطر ببالي الكسير والعلم عند اللطيف الخبير اه‏.‏

ويرد على قوله في الأول فإن انتفاءه بإن لا يحسن إليهما أصلاً من أشد مراتب العقوق أن العقوق الذي هو كبيرة فعل ما يتأذى به من فعل معه من الوالدين تاذيا ليس بالهين عرفا كما سمعت وعدم الإحسان أصلاً قد لا يكون من ذلك، قال العلامة ابن حجر في أثناء الكلام على الفرق بين العقوق وقطع الرحم‏:‏ إنه لو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التاذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب اه‏.‏ وكأنه أحسن الله تعالى إليه ظن أنه إذا تحقق عدم الإحسان تحققت الإساءة وهو بمعزل عن الصواب، ويرد أيضاً على قوله‏:‏ وظاهر أن عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثة أهون من ترك الأمور المذكورة في القسم الثاني أنه إن أراد أنه أهون من ترك مجموع تلك الأمور فلا شك إن بعض ما عده في القسم الثالث كالوزن بالقسطاس المستقيم ترك القيام به أهون من ترك مجموع التكليفات فما معنى هذا التخصيص وإن أراد أنه أهون من ترك كل واحد من ترك الأمور المذكورة فهو ممنوع كيف لا ويكون في ذلك قطيعة رحم وقاطعها ملعون في كتاب الله تعالى في ثلاثة مواضع‏.‏

وروى أحمد بإسناد صحيح أن من أربا الربا الاستطالة بغير حق وإن هذه الرحم شجنه من الرحمن فمن قطعها حرم الله تعالى عليه الجنة؛ ومنع زكاة أيضاً وقد قال تعالى في حم السجدة ‏[‏6، 7‏]‏ وهي مكية كهذه السورة ‏{‏وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون‏}‏ وإن نوقش فيما ذكر قلنا‏:‏ إن عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادق على منع حقوق ثلاثة أصناف ولا شك أن منع ذي الحق حقه ظلم له فيتعدد الظلم فيما نحن فيه ولا أظن أن ذلك أهون من التطفيف وإن كان ظلماً أيضاً‏:‏ «

وظلم ذوى القربى أشد مضاضة

على القلب من وقع الحسام المهند»

ومما ذكرنا يعلم أن قوله ظاهر غير ظاهر، ويرد أيضاً على قوله‏:‏ وترك واحد من هذه الخمسة الخ أن قوله سبحانه

‏{‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 36‏]‏ نهى على ما اختاره الإمام عن كبائر لا شك في أن بعضها أعظم بكثير من بعض ما في القسم الثاني كالقول في الالهيات والنبوات نحو ما يقوله المشركون تقليداً للاسلاف واتباعاً للهوى وإن أبيت إلا تخصيصه ببعض ما قاله المفسرون ونقله الإمام مما هو أهون أفراده كالكذب قيل لك إن في كونه أهون من انتفاء الإحسان مطلقاً مع كونه قد لا يكون كبيرة منعاً ظاهراً كما لا يخفى‏.‏ وكذا في كون المسي مرحاً دون كل واحد من الأمور السابقة بحث‏.‏

وقد أخرج الشيخان «بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل مختال في مشيته إذ خسف الله تعالى به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» وروي أحمد وابن ماجه‏.‏ والحاكم «ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان» وصح «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يجىء مثلها فيمن لم يحسن إلى والديه نعم جاء ذلك فيمن عق والديه، وبين عقوقهما وعدم الاحسان إليهما عموم وخصوص مطلق وعلى هذا فلا يخفى حال كما لا يخفى، ويرد على الوجه الثاني على ما فيه أنه غير واف بالغرض، وعلى الثالث أنه مجرد دعوى لم تساعدها الآثار، نعم ورد في بعض ما ذكر أن فتنته لا تصيب الظالم فقط ما يؤيده، ومن ذلك ما أخرجه البيهقي وغيره «يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلت بكم أعوذ بالله تعالى أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يلعنوا بها إلا فشافيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم ينعوا زكاة أموالهم إلا منعوا المطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله تعالى وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله تعالى عليهم عدوا من غيرهم فيأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى إلا جعل الله تعالى باسهم بينهم» وإن كان في عدم إيتاء المسكين وابن السبيل حقهما منع الزكاة فأمر الإيماء المذكور لا يخفي حاله فإن الأخبار قد تظافرت بعموم شؤم ذلك، فقد صح «ما منع قوم الزكاة إلا حبس الله تعالى عنهم القطر» وفي رواية صحيحة «إلا ابتلاهم الله تعالى بالسنين» إلى غير ذلك، ويرد على الوجه الرابع أن بعضهم قد أطلق القول بأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة‏.‏

وصرح صاحب العدة بأن الغيبة نفسها صغيرة وترك النهي عنها كبيرة، وقال بعض المتأخرين ونقله الجلال البلقيني ينبغي أن يفصل في النهي عن المنكر فيقال‏:‏ إن كان كبيرة فالسكوت عليه مع إمكان دفعه كبيرة وإن كان صغيرة فالسكوت عليه صغيرة، ويقاس ترك المأمور بهذا إذا قلنا‏:‏ إن الواجبات تتفاوت وهو الظاهر اه‏.‏

وقد علمت أن فيما وحد الخطاب فيه من الأوامر ما تركه كبيرة ومن النواهي ما فعله كذلك فلم يتحقق مارجا سلمه الله تعالى على أن في تعبيره بالإجبار فيما عبر فيه ما لا يخفى، ويرد على الخامس أن في كون الطاعات التي وحد فيها الخطاب لا تصدر إلا من الآحاد لأنها لا يوفى حقها إلا المتورعون منعاً ظاهراً فإن أكثر الناس صالحهم وطالحهم لا يمشي في الأرض مرحاً ومثل ذلك الدعاء للوالدين بالرحمة فانا نسمعه على أتم وجه من كثير ممن لا يعرف الورع أي شيء هو، وكذا في قوله‏:‏ بخلاف غيرها فإنه مضبوط فإن ترك التصرف في مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ممن له ولاية عليه أمر شاق لا يكاد يفوم به إلا الأفراد، قال في رد المحتار حاشية الدر المختار‏:‏ لا ينبغي للموصى إليه أن يقبل لصعوبة العدل جداً، ومن هنا قال أبو يوسف‏:‏ الدخول في الوصاية أول مرة غلط وثاني مرة خيانة وثالث مرة سرقه، ومن هذا يعلم ما في الوجه السادس، ويرد على السابع أيضاً أن المشي في الأرض مرحاً كالأمور التي صرف الخطاب في النهي عنها عنه صلى الله عليه وسلم في أن فطرته وفطنته وسلامة طبعه اللطيف واستقامة مزاجه الشريف كافية في الكف عنه فإن الكبر من البشر لا ينشأ إلا عن جهل وبلادة وقد جبل عليه الصلاة والسلام على أكمل ما يكون من التواضع بل وسائر الصفات التي هي كمال في النوع الإنساني ويؤيد ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 4‏]‏ مع أنه لم يصرف الخطاب فيه وأنه حيث اعتبر الفطنة في الكافي عن الكف لم ينفعه الاعتذار عن توحيد الخطاب في النهي عن الشرك بما اعتذر به فإن للفطنة دخلاً تاماً في التوحيد كما لا يخفى على فطن، ويرد على قوله في الثامن‏:‏ وهذا الإيهام الخ منع ظاهر فلا يخفى حاله كما لا يخفى، ويرد على التاسع أنه لا يساعده نقل ولا عقل بل جاء في النقل ما يخالفه كما سمعت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وإن اعتبر النهي عن الشرك من تلك التكليفات فهو كاف في تزييف هذا الوجه لأن النهي عن الشرك جاءبه كل رسول ونطق به كل كتاب وما ذكره مؤيداً لغرضه بمعزل عن التأييد، هذا وبقيت إيرادات أخر على هذه الوجوه أعرضنا عنها وتركناها للذكي الفطن حذراً من التطويل فتأمل ذاك والله يتولى هداك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا‏}‏ خطاب للقائلين بأن الملائكة بنات الله سبحانه، والإصفاء بالشيء جعله خالصاً، والهمزة للإنكار وهي داخلة على مقدر على أحد الرأيين والفاء للعطف على ذلك المقدر أي أفضلكم على جنابه فخصكم بأفضل الأولاد على وجه الخلوص وآثر لذاته أخسها وأدناها، والتعرض لعنوان الربوبية لتشديد النكير وتأكيده، وعبر بالإناث إظهاراً للخسة‏.‏

وقال شيخ الإسلام‏:‏ أشير بذكر الملائكة عليهم السلام وإيراد الإناث مكان البنات إلى كفرة لهم أخرى وهي وصفهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخس صفات الحيوان كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 19‏]‏ وفي «الكشف» أنه تعالى لما نهى عن الشرك ودل على فساده أتى بالفاء الواصلة وأنكر عليهم ذلك دليلاً على مكان التعكيس وأنهم بعد ما عرفوا أنه سبحانه برىء من الشريك بدليل العقل والسمع نسبوا إليه تعالى ما هو شرك ونقص وازدراء بمن اصطفاه من عباده فياله من كفرة شنيعة ولذا قيل‏:‏

‏{‏إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ‏}‏ بمقتضى مذهبكم الباطل ‏{‏قَوْلاً عَظِيمًا‏}‏ لا يقادر قدره في استتباع الإثم وخرقه لقضايا العقول بحيث لا يجترىء عليه ذو عقل حيث تجعلونه سبحانه من قبيل الأجسام السريعة الزوال المحتاجة إلى بقاء النوع بالتوالد وليس كمثله شيء وهو الواحد القهار الباقي بذاته ثم تضيفون إليه تعالى ما تكرهون من أخس الأولاد وتفضلون عليه سبحانه أنفسكم بالبنين ثم تصفون الملائكة عليهم السلام بما تصفون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا‏}‏ من التصريف وهو كثرة صرف الشيء من حال إلى حال، ومفعوله هنا محذوف للعلم به أي صرفناه أي هذا المعنى والمراد عبرنا عنه بعبارات وقررناه بوجوه من التقريرات ‏{‏فِى هذا القرءان‏}‏ العظيم أي في مواضع منه فالمراد بالقرآن مجموع التنزيل وجوز أن يراد به البعض المشتمل على إبطال إضافة البنات إليه سبحانه ومفعول ‏{‏صَرَفْنَا‏}‏ محذوف أيضاً أي صرفنا القول المشتمل على إبطال الإضافة المذكورة في هذا المعنى، وإيقاع القرآن على المعنى وجعله ظرفاً للقول إما بإطلاق اسم المحل على الحال لما اشتهر أن الألفاظ قوالب المعاني أو بالعكس كما يقال الباب الفلاني في كذا وهذه الآية في تحريم كذا أي في بيانه، ويجوز تنزيل الفعل منزلة اللازم وتعديته بفي كما في قوله‏:‏

يجرح في عراقيبها نصلي *** أي أوقعنا التصريف فيه‏.‏ وقرىء ‏{‏صَرَفْنَا‏}‏ بالتخفيف والصرف كالتصريف إلا في التكثير ‏{‏لّيَذْكُرُواْ‏}‏ أي ليتذكروا ويتعظوا ويطمئنوا له فإن التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس ‏{‏وَمَا يَزِيدُهُمْ‏}‏ ذلك التصريف ‏{‏إِلاَّ نُفُورًا‏}‏ عن الحق وإعراضاً عنه وهو تعكيس‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي هنا وفي الفرقان ‏{‏لّيَذْكُرُواْ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 50‏]‏ من الذكر الذي هو بمعنى التذكر ضد النسيان والغفلة، والتذكر على القراءة الأولى بمعنى الاتعاظ كما أشير إليه، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء الحال أن يعرض عنهم ويحكي للسامعين هناتهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ في إظهار بطلان ذلك من جهة أخرى ‏{‏لَّوْ كَانَ مَعَهُ‏}‏ سبحانه وتعالى في الوجود ‏{‏ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ‏}‏ أي المشركون قاطبة‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ وخلف بالتاء ثالث الحروف خطاباً لهم والأمران في مثل هذا المقام شائعان، وذلك أنه إذا أمر أحد بتبليغ كلام لأحد فالمبلغ له في حال تكلم الآمر غائب ويصير مخاطباً عند التبليغ فإذا لوحظ الأول حقه الغيبة وإذا لوحظ الثاني حقه الخطاب وكذا قرؤا فيما بعد‏.‏ وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ وأبو بكر عن عاصم هنا بالتاء وهناك بالياء آخر الحروف على أنه تنزيه منه سبحانه لنفسه ابتداءً من غير أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله لهم، والكاف في محل النصب على أنها نعت لمصدر محذوف أي كونا مشابهاً لما يقولون والمراد بالمشابهة على ما قيل الموافقة والمطابقة‏.‏

‏{‏إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ‏}‏ جواب عن قولهم‏:‏ إن مع الله سبحانه آلهة وجزاء للوأى لطلب الآلهة ‏{‏إلى ذِى العرش‏}‏ أي إلى من له الملك والربوبية على الإطلاق ‏{‏سَبِيلاً‏}‏ بالمغالبة والممانعة كما اطردت العادة بين الملوك، وهي إشارة إلى برهان التمانع كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏ وذلك بتصوير قياس استثنائي استثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم المطلوب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في محله، وإلى هذا ذهب سعيد ابن جبير كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم، وعن مجاهد‏.‏ وقتادة أن المعنى إذاً لطلبوا الزلفى إليه تعالى والتقرب بالطاعة لعلمهم بعلوه سبحانه عليهم وعظمته وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 57‏]‏ وهو إشارة إلى قياس اقتراني هكذا لو كان كما زعمتم آلهة لتقربوا إليه تعالى وكل من كان كذلك ليس إلهاً فهم ليسوا بآلهة‏.‏ قيل و‏{‏لَوْ‏}‏ على الأول امتناعية وعلى هذا شرطية، والقياس مركب من مقدمتين شرطية اتفاقية وحملية‏.‏

واختار المحققون الوجه الأول لأنه الأظهر الأنسب بقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏سبحانه‏}‏ فإنه ظاهر في أن المراد بيان أنه يلزم ما يقولونه محذور عظيم من حيث لا يحتسبون‏.‏

وأما ابتغاء السبيل إليه تعالى بالتقرب فليس مما يختص بهذا التقدير ولا مما يلزمهم من حيث لا يشعرون بل هو أمر يعتقدونه رأساً أي ينزه بذاته تنزيهاً حقيقاً به سبحانه ‏{‏وتعالى‏}‏ متباعداً ‏{‏عَمَّا يَقُولُونَ‏}‏ من العظيمة التي هي أن يكون معه تعالى آلهة وأن يكون له بنات ‏{‏عَلَوْاْ‏}‏ أي تعالياً فهو مصدر من غير فعله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 17‏]‏ ‏{‏كَبِيراً‏}‏ بعيد الغاية بل لا غاية وراءه كيف لا وأنه تعالى في أقصى غايات الوجود وهو الوجوب الذاتي وما يقولونه من أن معه آلهة وأن له أولاداً في أدنى مراتب العدم وهو الامتناع الذاتي‏.‏

وقيل لأنه تعالى في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته واتخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه‏.‏

وتعقب بأن ما يقولونه ليس مجرد اتخاذ الولد بل مع ما سمعت ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد الإمكان فضلاً عن دخوله تحت الوجود، وكونه من أدنى مراتب الوجود إنما هو بالنسبة إلى من من شأنه ذلك، واعتذر بأنه من باب التنبيه بحال الأدنى على حال الأعلى ولا يخفى أن ذكر العلو بعد عنوانه بذي العرش في أعلى مراتب البلاغة‏.‏